حسين جلعاد “شرفة آدم” امتداد لمشروع فكري مفتوح على الأسئلة

الكثير من الشعراء والكتاب عملوا أو يعملون في الصحافة، هناك من يرى في ذلك انشغالا عن المشروع الأدبي ويصل به الأمر إلى اعتبار الصحافة قاتلة للكاتب، ولكن الواقع يثبت النسبية الكبيرة لتلك المقولة. هناك من يجمع العالمين ويستفيد من كليهما على غرار الشاعر والصحافي الأردني حسين جلعاد، الذي كان لـ”العرب” معه هذا الحوار.

نسج الشاعر والصحافي الأردني حسين جلعاد خيوط الأدب والفكر والصحافة في مشروعه الثقافي متعدد الأوجه. من الشعر إلى السرد، ومن التغطيات الصحفية إلى الحوارات النقدية، ظل مسكونًا بهاجس الأسئلة، يبحث عن أفق أوسع يتجاوز المألوف والمحدود. وهذا ما يتجلى في كتابه النقدي “شرفة آدم.. تأملات في الوجود والأدب” الصادر أخيرا، حيث انتقى جلعاد مقالاته الصحفية وحواراته مع كتّاب ومفكرين، ليحيلها إلى حوار متجدد بين الماضي والحاضر، بين الفكرة والنص، وبين الذات والعالم.

ويؤكد جلعاد أن الكتاب ليس مجرد أرشيف صحفي، بل هو مشروع مفتوح على أسئلة الوجود والهوية والثقافة، وهو ما يجعله تجربة فريدة في الكتابة الصحفية ذات النفس الأدبي العميق.

في هذا الحوار حول تجربة الكتاب وقضاياه، يتحدث جلعاد عن العلاقة بين الصحافة والأدب، وعن التحولات التي يعيشها المشهد الثقافي العربي، كما يتوقف عند التحديات التي تواجه حرية التعبير في ظل الرقابة السياسية والاجتماعية. يكشف عن الحوارات التي تركت أثرًا خاصًا لديه، وعن تلك التي شكلت مفاجآت، سواء بسبب طبيعة الضيوف أو بسبب الأسئلة التي أخرجتهم من مناطقهم الآمنة. ليطل على عالم الكتابة والتأمل، وليعيد مساءلة ما ظنناه بديهيًا عن الأدب، الفكر، والصحافة.

جوهر التجربة

المشهد الثقافي العربي اليوم يتسم بتعدد قضاياه وانشغالاته حيث تتداخل الأزمات السياسية والاجتماعية مع التحولات الفكرية

بداية يوضح جلعاد في حديثه لـ”العرب” أن اختياره لعنوان كتابه “شرفة آدم.. تأملات في الوجود والأدب” يعكس جوهر التجربة الفكرية التي يطرحها الكتاب. ويقول “حين اخترت العنوان، كنت أبحث عن مفتاح يلخص رؤية الكتاب، حيث تتقاطع الشرفة كفضاء للتأمل والمراقبة مع آدم كرمز للبداية الإنسانية الأولى، بما تحمله من أسئلة الوعي والمعرفة والقدر. أن الشرفة بطبيعتها تمثل مساحة وسيطة، فهي ليست تمامًا داخل البيت، لكنها أيضًا ليست خارجه بالكامل. إنها نقطة مراقبة تمنح القارئ منظورًا أوسع وأعمق، بحيث يرى الأشياء لا كما اعتادها، بل من زاوية مختلفة، هذا الفضاء يحمل في داخله تداخلًا بين الانفتاح والانغلاق، بين حرية التأمل والارتباط بالمكان الآمن.”

ويتابع “أما ‘آدم‘، فهو رمزٌ للإنسان ولكل من طرح السؤال الأول، ولكل من وقف عند شرفة الفكر يتأمل مصيره. فهو الإنسان الأول في مواجهة الوجود، يحمل عبء الوعي والمعرفة، وقد اختبر مرارة الإدراك والخطيئة والاختيار. إنني أستلهم البعد التأملي في محاولة لاعادة القارئ إلى لحظة الوهج الأول للأسئلة، حيث يلتقي الأدب بالفكر، والتاريخ بالواقع، والتأمل بالتحليل. وهكذا فإن ‘شرفة آدم‘ دعوة مفتوحة للقارئ كي يصعد إلى مستوى جديد من الوعي، ويرى الصورة بأكملها، ثم يعيد التفكير فيما ظنه بديهيًا أو مسلمًا به.”

يؤكد جلعاد أن العلاقة بين الصحافة والأدب ليست علاقة تناقض، بل علاقة تفاعل وتداخل، حيث يتمايز كل منهما في غايته وأدواته، لكنه يغتني بالآخر ويستفيد منه. الصحافة بطبيعتها بنت اللحظة، فهي تلاحق الحدث وتسعى إلى تقديمه للقراء بسرعة وموضوعية، حيث يكون الزمن فيها عنصرًا حاسمًا، بينما يختلف الأدب في إيقاعه وأهدافه، إذ لا يعنى بالتغطية اللحظية، بل ينظر إلى العالم من مسافة، ويحلل المشاعر والأفكار ويعيد صياغتها بأساليب تعبيرية مختلفة في إطار رؤية فنية أكثر شمولًا.

ويضيف “أيضا الصحافة ليست مجرد أرقام وتواريخ، بل تحتاج إلى فن الحكي والسرد، حتى تكون قادرة على التأثير والوصول إلى القارئ بفاعلية. وقد رأينا كيف استلهم الأدب من الصحافة، فظهرت أنواع مثل الرواية الصحفية والتقارير الأدبية، التي تمزج بين التحقيق الصحفي والأسلوب السردي العميق.”

م

وعن مدى حرية التعبير التي يتيحها كل مجال، يبين أن الصحافة ليست فضاءً مفتوحًا بالكامل، فهي تخضع لقيود التحرير، وقوانين النشر، والسياسة التحريرية للمؤسسة الصحفية، مما يجعل الصحافي مطالبًا بالحياد والالتزام بالإطار الموضوعي. بينما يتمتع الكاتب الأدبي باستقلالية أوسع، حيث يمكنه استكشاف الأفكار بحرية، سواء في السرد أو في التحليل الفكري. أيضا الأدب يسمح بالذاتية، بل يشجعها، لأن القارئ يتوقع من الكاتب أن يطرح رؤيته الخاصة بعيدًا عن الضوابط الإعلامية الصارمة.

وعن تجربته في الجمع بين المقالات الصحفية والحوارات في كتاب شرفة آدم، يقول جلعاد “كنت أعي هذا التداخل بين المجالين، فالمقالات تعكس انشغالي بالقضايا الراهنة، ورغبتي في التفاعل مع الواقع، بينما تمنحني الحوارات مساحة أكبر للتأمل والتعمق في الرؤى الفكرية والأدبية. إنه سعي إلى الاستفادة من إيقاع الصحافة وحيويتها، ومن تأمل الأدب وعمقه، في محاولة لتقديم تجربة قراءة تجمع بين التوثيق والتحليل، بين اللحظة والتاريخ، وبين الواقع والفكر. في النهاية، لا الصحافة ولا الأدب وحدهما كافيان لرؤية الصورة كاملة. كلاهما نافذتان على العالم، ولكل منهما طريقته في التقاط الصورة.”

ويؤكد لـ”العرب” أن المشهد الثقافي العربي اليوم يتسم بتعدد القضايا التي تشكل انشغالاته الأساسية، حيث تتداخل الأزمات السياسية والاجتماعية مع التحولات الفكرية، مما يجعل الإنتاج الأدبي والفكري انعكاسًا لهذا الواقع المركب. ومن أبرز القضايا التي برزت في السنوات الأخيرة، قضية الهوية والتحولات الثقافية، حيث يتساءل الأدباء والمفكرون عن مدى قدرة الثقافة العربية على الحفاظ على أصالتها في مواجهة التأثيرات الغربية، خاصة مع تصاعد الخطاب حول ما بعد الحداثة والانتماء الثقافي.

ويتابع جلعاد أن أدب اللجوء والهجرة أصبح أكثر حضورًا نتيجة النزاعات السياسية والاجتماعية، مما أفرز أعمالًا أدبية تتناول قضايا الاغتراب والفقد والبحث عن الذات في فضاءات جديدة. وأشار إلى أن حرية التعبير لا تزال إحدى القضايا المحورية التي تواجه الكتاب والمثقفين العرب، حيث يُطرح السؤال حول مدى قدرة الأدب والفكر على إحداث تغيير حقيقي في مجتمعات تعاني من الرقابة، سواء من الدولة أو من المؤسسات الاجتماعية والدينية.

وحول الاتجاهات الحديثة في الكتابة، يوضح جلعاد أن العقود الأخيرة شهدت موجة جديدة من الكتابات النسوية التي تتجاوز المطالب التقليدية إلى إعادة تعريف علاقة المرأة بالمجتمع والسلطة، مما أفرز سرديات أكثر جرأة في تناول قضايا الجسد، الحرية، والتهميش. كما أن هناك تزايدا في الاهتمام بالأدب الفلسفي والتجريبي، حيث يتم تجريب أشكال سردية جديدة، مثل الروايات التي تقوم على تفكيك الزمن أو تعتمد على الميتا-سرد، إلى جانب أعمال تتناول الأسئلة الوجودية بعمق تأملي. هذا إلى جانب أن الأدب النسوي المعاصر تجاوز المطالب الحقوقية التقليدية، ليصبح مساحة لإعادة تعريف موقع المرأة في السرد والتاريخ من خلال منظور نقدي أكثر جرأة. وهناك أيضًا تساؤل متزايد حول دور الأدب في عصر التكنولوجيا والمنصات الرقمية، حيث أصبح المحتوى الثقافي أكثر استهلاكًا وسرعة، مما يطرح تحديات حول مستقبل الكتابة العميقة في ظل ثقافة التصفح السريع والمحتوى المختصر.

العلاقة بين الصحافة والأدب علاقة تفاعل وتداخل حيث يتمايز كل منهما في غايته وأدواته ويغتني بالآخر ويستفيد منه

ويشير إلى أنه لا توجد مدرسة واحدة تهيمن على المشهد الثقافي، بل هناك تعددية وتفاعل بين تيارات مختلفة، حيث برزت الواقعية الجديدة التي تعيد إنتاج الواقع بأسلوب يوثق الأحداث ويركز على المهمّشين والقضايا المسكوت عنها. كما انتشر الأدب الذاتي والسرد الشخصي، الذي يعتمد على التجربة الفردية سواء في شكل مذكرات أو يوميات أو كتابة تأملية، وهو ما يعكس نزعة نحو السرد الشخصي كبديل عن السرد الملحمي أو الجماعي.

وفي سؤال حول أهمية الحوارات وأثرها في المبدع والساحات الثقافية، يشدد جلعاد على أن كل حوار يمثل إضافة، ليس فقط من حيث تراكم المعرفة، بل لأنه يفتح منطقة مشتركة بين المتحاورين، مما يسمح برؤية أوسع لقضايا الإبداع والثقافة. والحوارات التي تركت أثرًا عميقًا لديّ، كانت تلك التي كشفت عن رؤية مغايرة، أو دفعتني إلى التفكير بطريقة مختلفة حول قضايا الأدب والتاريخ ومسؤولية المثقف في مجتمعه.

ويضيف أن بعض الحوارات حملت طابعًا تأمليًا، حيث تحدث كتاب ومفكرون عن صراعاتهم مع اللغة، أو كشفوا عن أفكار لم يكونوا مستعدين للإفصاح عنها في سياقات أخرى.. عندما يبوح كاتب بتجربة شخصية شديدة الخصوصية، أو يعيد النظر في قناعاته أمامك، يتحول الحوار إلى لحظة كشف إنساني، وهو ما يمنحه قيمة تتجاوز حدود القراءة العادية.”

ويشير جلعاد إلى أن بعض الحوارات جاءت بمفاجآت غير متوقعة، سواء بسبب المواقف غير المعلنة للمتحدثين، أو بسبب طبيعة الأسئلة التي دفعتهم إلى مناطق لم يكونوا ينوون التطرق إليها. أحيانًا يكون الحوار صعبًا لأن الطرف الآخر يميل إلى الغموض أو التحفظ، مما يجعل الوصول إلى إجابات عميقة تحديًا حقيقيًا. ومن ثم فإن هناك حوارات تحولت إلى مواجهة فكرية بسبب التوتر بين رؤى مختلفة، وهو ما يتطلب الكثير من الحذر والتوازن، فعندما يكون هناك تباين جذري في وجهات النظر، أو عندما يرفض الضيف الدخول في مساحة مشتركة، يصبح الحوار بمثابة اختبار للقدرة على إدارة النقاش دون أن يتحول إلى صدام. ومع ذلك فحتى الحوارات العسيرة، رغم صعوبتها، كان لها دور في تطوير تجربتي في فن الحوار. فبعضها كشف لي عن زوايا جديدة في التفكير، وبعضها أجبرني على إعادة النظر في تصورات كنت أعتبرها مسلّمات.

رؤية مركبة

الكتاب يشكل شهادة على تجربة فكرية ممتدة، تتشابك فيها قراءات وتحليلات جلعاد الشخصية مع ما طرحه الكتّاب والمفكرون الذين حاورهم

لدى سؤال جلعاد، بوصفه شاعرا وقاصا وصحافيا، كيف أثرت تجربته الممتدة في التغطية الصحفية والتحليل النقدي في أسلوبه الكتابي، يجيبنا أن التنقل بين الشعر والسرد والصحافة منحه مرونة خاصة في التعامل مع اللغة، حيث تعلم كيف يضبط إيقاع الجملة وفقًا للسياق الذي يكتب فيه.

يقول “في الصحافة، هناك التزام بالدقة والوضوح، والجملة يجب أن تكون مباشرة ومكثفة، بينما في السرد، أمتلك مساحة أوسع للتأمل والتفصيل. أما في الشعر، فالإيقاع والاقتصاد اللغوي يفرضان حضورهما. هذه التعددية خلقت نوعًا من التوازن في أسلوبي، إذ صرت أبحث عن الدقة الصحفية دون أن أفقد البعد الجمالي، وعن الإيقاع الشعري دون أن أسمح له بإغراق النص في الغموض.”

وفي ما إذا كان أسلوب “شرفة آدم” متأثرًا بروحه الشعرية، يوضح أن الكتاب يمثل مزيجًا من التجربة الصحفية والرؤية الأدبية، لكنه لم يكن منفصلًا عن نزوعه الشعري. هناك مقاطع في الكتاب تتكئ على الإيقاع الشعري والتكثيف، خاصة في اللحظات التي تتطلب شحنة وجدانية عالية. لكن في الوقت ذاته، كان لا بد من الاحتفاظ بالجانب التحليلي والتوثيقي، لأن الكتاب قائم على الحوارات والتأملات النقدية.

ويشير جلعاد إلى أن بعض الفصول استدعت بطبيعتها حساسيته الشعرية، خاصة عند تناول قضايا تتعلق بالوجود، الذاكرة، والمنفى، وهي موضوعات تحتاج إلى لغة أكثر عمقًا. رغم ذلك، حاول ألا يدع الشعر يطغى على وضوح الفكرة. فالشعرية هنا لم تكن مجرد تزيين لغوي، بل كانت أداة للاقتراب من جوهر الأشياء.

ويؤكد على أنه لم يفصل تمامًا بين روح الشاعر، والصحافي، والناقد، بل سعى إلى خلق صوت متوازن يعبّر عن رؤيته المركّبة للأدب والفكر، حيث تمتزج الدقة الصحفية بالعمق الأدبي، وينعكس الإحساس الشعري في تفاصيل اللغة دون أن يبتعد عن صلابة الفكرة.

ويرى جلعاد أن “شرفة آدم” ليس مجرد توثيق لرحلته الصحفية، بل هو امتداد لمشروع فكري مفتوح على أسئلة أوسع. مضيفا “صحيح أنه كتاب يستند إلى الحوارات والتغطيات الصحفية، لكنه لا يتوقف عند حدود الأرشيف، بل يسعى إلى تأمل أعمق في قضايا الأدب والفكر والثقافة. لم يكن الهدف فقط جمع المواد، بل إعادة قراءتها ضمن سياق جديد، حيث تتفاعل الأفكار وتتداخل التجارب، مما يجعل الكتاب مساحة للنقاش أكثر من كونه سجلًا جامدًا.”

ويتابع حسين جلعاد أن الكتاب لا يعكس فقط لحظات التغطية الصحفية، بل يشكل شهادة على تجربة فكرية ممتدة، تتشابك فيها قراءاته وتحليلاته الشخصية مع ما طرحه الكتّاب والمفكرون الذين حاورهم. بعض الحوارات أثارت لدي أسئلة لم تكن مطروحة من قبل، وبعض التأملات دفعتني إلى إعادة النظر في قناعاتي، مما جعل الكتاب يتحول إلى فضاء متجدد، لا يكتفي برصد اللحظة بل يسعى إلى تفكيكها وإعادة صياغتها.”
صحيفة العرب